
لماذا ينأى المثقفون السودانيون وأصحاب الرأي والمتقاعدون من أهل الخبرة والتجارب والماضي الوضيئ في الخدمة العامة في السودان عن الكتابة أو حتى إصدار الكتب والإنصراف بل والزهد في المشاركة في العمل العام إلا القليل الذي يكتب ويقاوم ويصارع في صبر عجيب ولا تملك إلا أن تعجب لصبرهم ومثابرتهم.
أما البقية الغالبة فهم الآن يشاهدون مسرح اللا معقول ووقائعه التي تجري أمامهم ويتأملون ما يحدث في بلادهم وينظرون لماضيهم الثر والغني بالفكر والخبرة والتجارب سواء في الجوانب السياسية أو الاقتصادية والعلمية والتعليمية والإدارية والاجتماعية وهو يرقد بين أيديهم وهم حيارى غير قادرين لبسطه للناس.
سألني يوما أحد الأصدقاء ما هو في اعتقادك سر عزوف هذه الطبقات المستنيرة والمتعلمة عن الكتابة بل والنأي بأنفسهم عن السياسة والعمل العام؟ كانت إجابتي له بإختصار أن المثقف المستنير الذي يحترم نفسه وثقافته وعقله يكتب في أجواء الحرية ويميل للعمل العام في ظل الأوضاع السياسية والاجتماعية التي يطمئن إليها وتتوافق مع عقله وسلوكه وقيمه الفاضلة.
فالكتابة أمانة أخلاقية وجهد ذهني وبدني شاق لا يعرفه إلا من يمارسه وهو صادق فيه ومؤهل وقادر عليه وليس دعيا وليخرج للناس شيئأ ذا فائدة يعيشونه ويتذوقون طعمه ويتفيأون ظلال معانيه، فكيف له أن يرمي بهذا الجهد في واقع مجهول يسوده التمكين السياسي والهيمنة على مفاصل الدولة لفئة معينة من الناس وغياب المشاركة الحقيقية في الشأن العام! وأضرب مثلأ لذلك بأجيال الإداريين من رجال الحكومة المحلية المتقاعدين وكاتب هذه السطور أحدهم الذين إزدان بهم الحكم المحلي على أيامه القديمة والذي كان أساس الحكم غير المنتمي للسياسة وغرة على جبين السودان وهم ينأون بأنفسهم وخبراتهم كغيرهم من عناصر الخدمة المدنية كرجال الاقتصاد والهندسة والتعليم والطب والزراعة والقانون وأساتذة الجامعة وعلماء الآثار والبيطريين وخبراء الغابات وغيرهم من عناصر الخدمة المدنية الحيوية التي سادت في ذلك الزمان.
قدامى الإداريين بالحكومة المحلية التي تغيرت ملامحها ودورها الإيجابي في حياة الناس الى نقيضه الآن والذين إتخذتهم مثالأ لبقية الصامتين من رجال الخدمة المدنية التاريخية يمكنهم إن وجدوا ضالتهم في التعبير والأخذ برأيهم أن يثروا بفكرهم وتجاربهم الغنية الواسعة مكونات الحاضر وآفاق المستقبل وبما يفيد هذه البلاد في هذه المراحل الحرجة من تاريخها خاصة ومشاركة وكتابة هؤلاء الزملاء هي مزيج من التجارب العملية الرصينة وأصول الفكر الإداري والذين قلما يذكرهم أو يذكر دورهم أحد والذي تجلى تاريخيأ في انتقال السلطة بطريقة سلسة وتثبيت الحكم في البلاد ودون حدوث فراغ أو إضطراب في الحكم عقب خروج الإنجليز ودورهم الذي تواصل بعد ذلك في جهدهم الإداري والتنموي والاجتماعي والتنويري عقب الاستقلال.
كانوا بإختصار عصب الخدمة المدنية والطبقة الوسطى من المثقفين والطوائف الدينية والتجار والموظفين والمزارعين والعمال صانعة الاستقلال والتي تفيد المجتمع وتحدث التغيير والتي تفرقت الآن أيدى سبأ! كان هؤلاء الإداريون يدركون الخيط الرفيع الذي يفصل بين الإدارة والسياسة فتحكموا فيه فغلبوا المصلحة العامة على تيارات السياسة التي تحيط بهم والتي تطغى عليها في عمومها شهوات ونزوات المصالح الخاصة ولا غرو فقد تربوا في بيئة عمل يحكمها تراث الحيدة والعلم والضمير الحي والإتزان وتحيط بها قدسية وحرمة الخدمه المدنيه ذات القيم الأصيلة والجذور والاستقلال الصحيح على تلك الأيام فكان سر نجاحهم هذه اللاإنتمائية السياسية ( Non Political Affiliation ) ليس من باب السلبية
تجاه العمل السياسي العام بل حرصأ منهم على المصلحة العامة والتي لا تتحقق إلا بهذا التجرد وتلك الصفات. وقس على ذلك بقية فصائل المثقفين وأصحاب الرأي والخبرات على نطاق الخدمة المدنية وبمختلف قطاعاتها على تلك الأيام.
أنها خسارة أن يصمت ويبتعد هؤلاء جميعأ مكرهين. وتتجدد صعاب ومشكلات الكتابة فهنالك الهم الذي تحمله إزاء ما تكتب وكيف له أن يرى النور بصورته التي أردتها له واجتهدت في خلقها بشتى صور الخلق والإبداع والصدق والموضوعية في ظل الرقابة والحذف لما لا يروق لأصحاب السلطان بل وفي ابسطها إزعاجأ تعدي المصححين اللغويين وهم (يصححون) أحيانأ الصحيح بالخطأ! كذلك تخطي الحواجز الصعبة والمقصودة لذاتها في إصدار الكتب التي تحمل فكرأ حرأ نيرأ حتى تصل إلى مرحلة الطباعة، ثم مشوار الطباعة نفسها وتكلفتها وعناء متابعتها ثم بعد كل هذا الجهد الذي تبذله وظهور العمل في إيدي الناس هنالك تلك الفئة التي أفرزها هذا الزمان في مجتمعنا والتي تتجاهل الأمر وتلوي بأعناقها بعيدأ عنه وتصعر خدها في جحود ونكران زائف لكل عمل مهما كان رائعأ ورائجأ.
وأستثني من ذلك بطبيعة الحال دور النقد العلمي المتعارف عليه عبر عصور الكتابة والنشر، ثم هنالك تلك الفئة من الكثير من الأجيال الحالية التي لا تعي وليست معنية بما حولها لمثل هذه الأمور وهي معذورة في رأيي نتيجة ضعف التعليم الذي امتدت سنواته وبلغ مداه خلال العقود الثلاثة الماضية والتغييب السياسي والفكري الذي حدث لها وتطاول خلال هذه السنين ثم انشغالها وإنصرافها لثقافة العصر وأدواته ولهوه في نهاية المطاف.
هذه هي حال المثقفين وأصحاب الرأي والخبرات ونظرتهم للواقع الذي أضعف لديهم احتمالات الكتابة والمشاركة رغم الرغبة والإستعداد والمتعة التي يجدها المرء في الكتابة في ثنايا النسيج التاريخي لهذا الوطن متداخله وغنيه في مكوناتها وظروفها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتاريخية والإنسانية تلهمك هذا المخزون لتكتب، وهي حياة عشناها وعاشتها الأجيال قبلنا وقد تربينا على يديها يستوجب أن يلتفت إليها الدهر ليأخذ ما يعينه على الحاضر المأزوم.
ففي مثل هذا الجهد بعد التقاعد إن أتيح له أن يرى النور مشوار حياة آخر للإنسان وللوطن من شأنه أن يستبطن الفائدة ببسط التجربة المفيدة والفكرة النيرة والقول الناصح والرؤية الصادقة وشجاعة الرأي وربما المتعة في تذوق طعم الكلام وحلاوة معانيه أحيانأ لمن يمتلك أدوات التعبير في السرد والحديث عن الذكريات.
هذا المسلك في التدوين ورصد التجارب هام وضروري وخاصة للذين مارسوا العمل العام وهو ثقافة يعرفها ويمارسها الغربيون بعد التقاعد، وهي واحدة من أهم الخصائص التي تتميز بها علينا المجتمعات الغربية ولا نعرفها نحن هنا مع الأسف في بلادنا العربية والإسلامية إلا نادرأ وفي ظل عدم النضوج السياسي وغياب تراث الديموقراطية الذي نفتقده وترسخ في المجتماعات الغربية. أيضأ ربما لا أحصر ما ارأه في ثقافة طرح التجارب بعد التقاعد، بل هنالك النافذة الأخرى التي يستوجب أن يطل من خلالها قلم المثقف الحر حول قضايا وطنه في كل الأوقات إن وجد هذا القلم حريته وإطمئنانه لما يكتب. هنالك أمر آخر لا بد من الوقوف عنده ويمثل خللأ وعامل صد وعزوف لهؤلاء المثقفين والمستنيرين عن الولوج والمشاركة في العمل العام وهو خلل حقيقي يتمثل في طبيعة البنية السياسية القائمة الآن وعلاجه هام وحيوي في بناء الأمة وتماسكها وتحقيق غاياتها.
هذا الأمر يتعلق بالسياسة وطبيعتها وتأثيرها المباشر على العمل العام، ففي قلب السياسة التي تتربى وتعيش في أجواء الديموقراطية الحقيقية بمظاهرها المعروفة كالحرية والمشاركة الحقيقية والعدل وكرامة الإنسان يولد المجال العام وهو منطقة في الحياة الاجتماعية يجتمع فيها الناس يحددون فيها قضايا ومشكلات مجتمعهم ويناقشونها بحرية ودون رهبة أو خوف أو غرض وبمشاركة أهل الرأي والخبرة من بينهم يجدون لها الحلول المناسبة ويختارون لقيادة العمل أكثرهم قدرة وكفاءة وصدق وإخلاص.
هذا المجال العام أشبه بمسرح المجتمعات الحديثة التي يتشكل فيها الرأي العام ولا بد له من توفر أجواء الديموقراطية والحرية التي تتيح للناس جميعأ المشاركة الحقيقية دون إحتكار أو تسلط لفئة معينة من الناس أو حزب أو جماعة ذات ايديولوجية تحتويها وتكبل عقلها ولا ترى إلا ما تراه وتسخر العمل لمصلحة توجهها وهذا ما يحدث الآن مع الآسف في بلادنا.
من هنا والحال هكذا ناى المثقفون وأصحاب الخبرة والرأي بأنفسهم ووفروا جهدهم ومداد فكرهم طالما أن البيئة السياسية مغلقة وطاردة، فلماذا يكتبون ولمن يكتبون (ولمن تدق الأجراس) كما جاء في عنوان الرواية الخالدة للكاتب والروائي العالمي إرنست همنقواي! من كل ذلك نتج هذا العزوف ووجد هؤلاء الاخيار أنفسهم خارج دائرة اهتمام الكتابة والعمل العام مكرهين.
فالمثقف الحقيقي هو إنسان صادق وزاهد وشجاع وحاذق وقادر على تسوية المعوج إن وجد ضآلته في حرية القلم والعمل فهو يجسد شرف الغاية وجسارة الوسيلة.
حذر جان بول سارتر الفيلسوف الفرنسي الشهير من المثقف (المزيف) الذي لا يقول لا في جميع الأحوال وهو دائمأ في خدمة السلطة وإن قال لا فهي مزيفة وغير مبدئية! هذا النوع مع الآسف موجود بين ظهرانينا يجملون ما ليس بجميل وهم عامل تخدير وتشكيك في حقائق الواقع الذي تعيشه البلاد مع الجرأة في تزيين الباطل وهم عقبة في طريق الإصلاح.
أخيرأ لم نرد بهذا الحديث إلا المصلحة العامة فهل نأمل في آذان صاغية تحقق آمال هذا الوطن التي طال انتظارها؟ فالكل سيغادرهذه الحياة ويمضي إلى سبيله ويبقى الحساب في نهاية المطاف .
حاشية:
هذا المقال أرسل لصحيفة (السوداني) منتصف أكتوبر 2018 لكنها أحجمت عن نشره !
* إداري واكاديمي متقاعد من الحكومة المحلية القديمة (العيلفون)
0122217007



